مفهوم التنمية الاقتصادية (2)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مفهوم التنمية الاقتصادية (2)

مُساهمة من طرف Admin في السبت يونيو 23, 2012 6:40 am




ثالثاً: اثر الاستثمار الاجنبي المباشر على بعض المتغيرات الاقتصادية التنموية.
تتضح أهمية الاستثمار الأجنبي المباشر للدول النامية من خلال ما يحدثه من اثار على اقتصادياتها ومن خلال الدور الذي يلعبه في تسريع عجلة التنمية فيها أو تأخيرها، ولا يوجد اتفاق بين الاقتصاديين حول موضوع الاستثمار الأجنبي المباشر فمازال الجدل محتدم بين مؤيد ومعارض حول جدوى الاستثمار الأجنبي المباشر لتحقيق اهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة في البلدان النامية المضيفة له. فالمعارضون يؤكدون أن لا عائد تجنيه البلدان النامية من جراء محاولاتها لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر لأن أثره سلبياً على اقتصادياتها، وحججهم في ذلك هي ان هناك تناسباً عكسياً بين مصالح المستثمر الأجنبي واهداف البلد المضيف ولا يمكن ان يحصل أي الطرفين على فائدة دون ان يحقق الطرف الأخر خسارة، أما الحجة الثانية فهي أنه يؤدي الى زيادة درجة التبعية الاقتصادية والسياسية، إن اصحاب الرأي المعارض يتمسكون بصحة اراءهم ويواجهون منتقديهم بالحقائق التاريخية التي ترتبت على الاستثمارات الاستعمارية في القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين حيث ان هذه الاستثمارات مثلت استنزافاً حاداً لثروات البلدان النامية دون مقابل عادل(1).
من جانب آخر يثني المؤيدون على الاستثمار الأجنبي المباشر ودوره في تحريك عجلة التنمية الاقتصادية من خلال مساهمته في نقل رأس المال والتكنولوجيا والمهارات التنظيمية والتسويقية الى البلدان المضيفة النامية، فضلاً عن توسيع التجارة وخلق الوظائف وتسريع الاندماج في الاسواق العالمية وله دور ايضاً في استغلال الموارد الطبيعية التي بقيت لعقود غير مستغلة وقلل بذلك فترة انتظار البلدان النامية وسرع عملية الانتاج فيها نصف قرن على الاقل كما اكدت دراسات اخرى بأن الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تقوم به الشركات متعدية الجنسية رفع من مستوى النشاط العالمي وله أثار ايجابية على الانتاجية والنمو والاستخدام وميزان المدفوعات كما انها زادت مستوى الابحاث والتكنولوجيا والتصنيع والمنافسة(1).
ويمكن القول ان خلاصة رأي المؤيدين هو أن الاستثمار الأجنبي المباشر مباراة يفوز فيها كلا الطرفين ولكن معدل النتيجة يتوقف على عوامل متعددة تتعلق بامكانيات وسياسات البلد الأم والبلد المضيف على السواء، وينطلق المؤيدون في نظرتهم هذه من قصص النجاح الذي حققه المستثمرون الاجانب في القرن التاسع عشر فيما عرف بالأراضي الجديدة وكذلك تجارب التنمية الناجحة كحقول البترول في الخليج العربي ومزارع الشاي في الهند ومزارع المطاط في ماليزيا فضلاً عن تنمية جزء كبير من البنية الاساسية في بلدان نامية متعددة منذ اوائل القرن العشرين وكذلك التجارب الحديثة الناجحة في بلدان آسيوية متعددة(2).
ومن اجل معرفة دور الاستثمار الأجنبي المباشر في تفعيل عملية التنمية في اقتصاديات البلدان النامية سوف نتطرق الى ذلك الدور مع ايضاح طبيعة الاثر الذي يتركه هذا الاستثمار على بعض المؤشرات الاقتصادية التنموية .

1- دور الاستثمار الأجنبي المباشر في تمويل عملية التنمية:
بدءاً لابد ان نقول ان التمويل التنموي يعني توفير الموارد الحقيقية والنقدية وتخصيصها لأغراض التنمية الاقتصادية، وتعد مشكلة التمويل في البلدان النامية من اهم المشكلات التي تواجهها في طريق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية، فالهدف الاساس لمعظم تلك البلدان هو الوصول الى مستوى ملائم من النمو الاقتصادي والوصول الى هذا الهدف يستلزم زيادة معدلات الاستثمار في المجالات التي تحقق قيمة مضافة صافية للاقتصاد القومي، الا ان العقبة الاساسية التي تقف أمام تحقيق هذه الاهداف هو قلة الموارد المالية أو عدم كفاءة استخدام المتاح منها، الأمر الذي استوجب ايجاد تدفق لرأس المال الأجنبي (التمويل الخارجي) لتغطية تلك العقبات(1).
بذلك سعت اغلب الدول النامية للحصول على التمويل الخارجي والذي يتكون من القروض الخارجية والمنح والمساعدات الدولية والاستثمارات الأجنبية من اجل تمويل التنمية فيها، الا ان تلك الدول تفاجئت بأن سياسة التمويل الخارجي قد تغيرت وان أسلوب التنمية المغلق بالاعتماد على الذات أصبح ملعوناً دولياً حيث رفضت الدول المتقدمة تقديم المزيد من القروض والمنح والمساعدات الى الدول النامية والتي كانت تعتمد عليها في تمويل مشاريعها التنموية دون الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية التي كانت تعتبرها مساساً بالاستقلال الاقتصادي والسياسي(2).
ففي العقدين الأخيرين من القرن العشرين ركزت الدول المتقدمة على ان الاستثمارات الأجنبية هي السبيل الوحيد للدول النامية في الخروج من ازمتها التمويلية وان سياسة الاقراض الخارجي اصبحت دون جدوى لأنها لا تساهم الا في زيادة مقدار الديون واثقال كاهل اقتصاد الدول النامية.
وبعيداً عما تم ذكره في الاسطر الاخيرة يرى أغلب الاقتصاديون ومن خلال التجارب التنموية التي تحققت في بعض الدول النامية ان الاستثمار الأجنبي يصلح ان يكون ممولاً وداعماً للتنمية الاقتصادية وكذلك رأى بعضهم ان الاستثمار الأجنبي المباشر هو الافضل في لعب ذلك الدور حيث ان الاستثمار الأجنبي غير المباشر لا يتلائم مع تدهور البيئة المالية وضعف الأسواق المالية وانخفاض عدد الشركات والمصانع الانتاجية في الدول النامية، فضلاً عما يرافق الاستثمار الأجنبي المباشر من نقل للتكنولوجيا والمعـرفة والخبرة الادارية والتسويقية.
ايجازاً لما سبق تحتاج عملية التنمية الى نوع من المشروعات وهذه المشروعات تحتاج لرأس مال كثيف وانفاق كبير قد تعجز المدخرات المحلية عن القيام بعملية تمويلها، ومن هنا تظهر الحاجة الى تمويل خارجي من اجل الاسراع في عملية التنمية وقد تبين ان أنجح شكل من اشكال التمويل الخارجي هو الاستثمار الأجنبي المباشر والذي يمتاز بكبر حجم الأموال الأجنبية التي ترافقه فضلاً عما يرافقه من تكنولوجيا متطورة وخبرات ومهارات انتاجية وتسويقية وما تكسبه الدول المضيفة من خبرة ومعرفة مؤسسية وهذه المزايا التي وجدت في الاستثمار الأجنبي المباشر دون غيره من اشكال التمويل الخارجي لا غنى عنها في انجاح عملية التنمية الاقتصادية التي تسعى اليها الدول النامية.
وتعد تجربة تونس مع الاستثمار الأجنبي المباشر خير دليل على ذلك حيث شهدت تونس معدلات نمو مستقرة بل أصبحت اكثر البلدان رفاهية في المنطقة وذلك من خلال الاصلاحات التي خلقتها في بيئتها الاستثمارية من اجل جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وأن هذا النمو المستقر وارتفاع مؤشر التنمية لم تستطيع تونس الوصول اليه بفضل الاستثمار المحلي اذ ان برنامجها التنموي الذاتي قد فشل في تحقيق النتائج، وهكذا اصبحت تونس تصنف كأحدى افضل البلدان في افريقيا من حيث أدائها المتعلق بأجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر ويرجع ذلك جزئياً الى انها ترى في هذا الاستثمار جزءاً لا يتجزأ من جهودها الهادفة الى تحقيق التنمية الاقتصادية(1).
2- أثر الاستثمار الأجنبي المباشر على الاستثمار المحلي
أن من حجج المؤيدين للاستثمار الأجنبي المباشر انه يكون مكملاً ومحفزاً للاستثمار المحلي في البلد المضيف ويعد الاستثمار المحلي احدى دعائم النمو الاقتصادي لاسيما في البلدان النامية لما يؤدي اليه من زيادة طاقة البلد الإنتاجية، وانه من الوسائل الفعالة في تغير بنية الاقتصاد القومي لصالح تعديل الاختلالات الهيكلية فيه فضلاً عن انه بزيادة حجمه يزيد معدل النمو الاقتصادي عبر زيادة القيمة المضافة والإنتاجية وتشغيل القوى العاملة وهناك عدد من المصطلحات المرادفة لمفهوم الاستثمار مثل تكوين رأس المال الثابت والتراكم الرأسمالي لذا فان استخدام أيٍّ منها يقصد به الاستثمار المحلي(2).
يمثل الاستثمار الأجنبي المباشر اضافة الى التراكم الرأسمالي داخل البلد المضيف من خلال زيادة عدد وقيمة المشاريع الانتاجية وكذلك التجهيزات الرأسمالية ويؤثر الاستثمار الأجنبي المباشر على تكوين رأس المال الكلي للبلد المضيف بطرق مختلفة ابتداء يمكن أن يزيد من الموارد المالية الكلية المتاحـة لغرض الاستثمار ومـن خلال ذلك ينمي تكوين رأس المال في البلد المضيف، وفي الوقت نفسه يمكن للاستثمار الأجنبي المباشر التأثير على الاستثمار المحلي على نحو حركي بالطرق الاتية(1).
أ- قد يشجع الاستثمار المحلي من خلال خلق فرص استثمارية جديدة للشركات المحلية في الصناعات القائدة وان يخفف الاختناقات (عنق الزجاجة) التي تواجه النمو الاقتصادي مثل النقص في البنية الارتكازية الأساسية والعملات الأجنبية.
ب- يمكن للاستثمار الأجنبي المباشر أن يحفز الاستثمار المحلي من خلال آثار الروابط الصناعية مع الشركات المحلية، أي شراء المدخلات المصنوعة محلياً من الشركات المحلية ويجهزها بالمدخلات الوسيطة.
ج – أن الاستثمار الأجنبي المباشر بأسلوب المشاركة ينقل الخبرات التكنولوجية والادارية والتسويقية للمستثمر المحلي مما يوسع من خبراته وعقليته الاستثمارية وزيادة قدرته على ايجاد فرص الاستثمار الجيدة.
د- أن الاستثمار الأجنبي المباشر يزيد من صادرات البلد المضيف، وهذا له أثر أيحابي على المدخرات المحلية والاستثمار المحلي.
هـ- قد يأخذ الاستثمار الأجنبي المباشر شكلاً مادياً كمعدات وآلات وتجهيزات تكنولوجية، والتي لا يمكن صناعتها محليـاً، وبالتالي فهـي ضرورية لتكوين راس المال المحلي في البلد النامي المضيف.
ومع ذلك يمكن للاستثمار الأجنبي المباشر أن يثبط الاستثمار المحلي فيما لو تنافست الشركات الأجنبية مع الشركات المحلية على استخدام الموارد المالية والمادية النادرة وكذلك على أسواق تصريف المنتوج.

3- دور الاستثمار الأجنبي المباشر في نقل التكنولوجيا
اسلفنا الذكر بأن أحد أهم شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية هو التقدم التكنولوجي لكونه الشكل الاكثر اهمية للنمو الاقتصادي وزيادة الكفاءة الانتاجية والتي تؤدي الى زيادة الانتاج وبالتالي الدخل القومي بنسبة تفوق نسبة زيادة السكان مما يؤدي الى زيادة متوسط دخل الفرد الحقيقي.
وتعرف التكنولوجيا بأنها التطبيق العملي للابتكارات والاختراعات العلمية في المجالات والانشطة الاقتصادية ويتم النقل الدولي للتكنولوجيا بواسطة تطبيق تكنولوجيا ابتكرت او طورت في بلد معين من قبل هيئة او مؤسسة أو وحدة اقتصادية في بلد آخر(1).
يمثل الاستثمار الأجنبي المباشر عبر الشركات متعدية الجنسية احدى قنوات نقل التكنولوجيا حيث أن الموطن الأم للتكنولوجيا هي البلدان المتقدمة وتلك البلدان لا تسمح بانتقالها بأي صورة كانت بل تضع عدة شروط على انتقالها ومن اهم تلك الشروط هي ان تكون البلدان المتقدمة شريكة فعلية في ادارة المشاريع التي تطبق بها التكنولوجيا، وهذا طبعاً لا يتم الا من خلال قيام تلك البلدان او الشركات التابعة لها بالاستثمار المباشر في البلدان النامية.
يتم نقل التكنولوجيا بواسطة الاستثمار الأجنبي المباشر عن طريق تقديم حزمة كاملة تشمل نظم واساليب التخطيط والتنظيم والانتاج والتسويق والمعرفة الفنية وراس المال ويترك نقل التكنولوجيا من خلال الشركات متعدية الجنسية أثاراً جانبية على الاقتصاد أي جعل الاقتصاد ككل يستفيد من عملية نقل التكنولوجيا، حيث تقاس هذه الآثار بمدى استفادة الشركات المحلية من هذا النقل عن طريق العلاقة المتبادلة بين هذه الشركات والشركات الأجنبية، وهذا يتوقف على عاملين: الاول مدى استعداد الشركات الأجنبية لتكوين علاقات تبادلية مع الشركات المحلية، والثاني هو قدرة الشركات المحلية على استيعاب هذه التكنولوجيا، ان استفادة الشركات المحلية من التكنولوجيا التي تنقلها الشركات متعدية الجنسية يأخذ عدة اشكال: أما عن طريق المنافسة والمحاكاة التي تجبر الشركات المحلية على تحسين قدرتها التنافسية بأستخدام تكنولوجيا حديثة، او توظيف عمال سبق ان عملوا لدى الشركات الأجنبية، أو عن طريق علاقات الانتاج(1).
والسؤال الذي يطرح هنا هل ان الدول النامية ستحصل على فوائد التكنولوجيا بمجرد جذب الاستثمار الأجنبي المباشر اليها؟ والجواب هو ان على الدول النامية لكي تجني الثمار التكنولوجية من الاستثمار الأجنبي المباشر عليها أن تضع عدة شروط وكذلك ان تقوم بعدة اصلاحات من اهمها:
أ- يجب ان يكون الاستثمار الأجنبي المباشر بأسلوب المشاركة بين الشركات المحلية والشركات الأجنبية او بأسلوب الاقتناء حيث ان الاستثمار الأجنبي المباشر بأسلوب انشاء مشروع جديد لا يسهم في نقل التكنولوجيا وخاصة في ظل منافسة قوية بين الشركات الأم والمشروع الجديد فضلاً عن ان المشاركة تسمح باكتساب الخبرات التكنولوجية.
ب- أقامة علاقات علمية بين الشركات الأجنبية وبين مراكز البحث العلمي والتطوير المحلية مما يؤدي الى اكتساب تلك المراكز لأحدث ما توصلت اليه الشركات العالمية من تكنولوجيا واساليب بحثية وكذلك لأجل تكيف المنتوج مع الأذواق والظروف المحلية.
ج- تحقيق مستوى عالي من التنمية البشرية من خلال زيادة عدد المتعلمين والذي ينعكس على توفير الأيدي العاملة المدربة أو الجاهزة للتدريب وتوفير المدراء الاكفاء.
د- خلق بيئة مشجعة لنقل التكنولوجيا من خلال حماية حقوق الملكية الفكرية والتي تساهم بمنع انتشار تلك التكنولوجيا بصورة غير مشروعة عن طريق النسخ وغيرها من الاساليب.
هـ- الاتفاق مع الشركات الأجنبية الناقلة للتكنولوجيا على تشغيل العمالة المحلية من اجل تدريبها واكتسابها الخبرة الفنية.
ومن أهم أمثلة نجاح الدول النامية في الاستفادة من التكنولوجيا المصاحبة للاستثمار الأجنبي المباشر جاءت ماليزيا في المقدمة حيث تشير احدى الدراسات الى أن معظم الصادرات والسلع الصناعية هي من انتاج الشركات متعدية الجنسية، كما ان الصناعات الالكترونية هي من انتاج تلك الشركات، ويرجع هذا النجاح الى عدة أسباب من اهمها توفر الأيدي العاملة المدربة فنياً، والبيئة العلميـة الحديثة، ونظام تعليمـي متطور، وسياسة اقتصاديـة تعتمد على قاعدة التصدير والمنافسة في السوق العالمية، كما ان اهداف ماليزيا من تسهيل وتحفيز انشطة الشركات متعدية الجنسية كانت دعم تدفق التكنولوجيا عن طريق السماح للشركات المحلية بالدخول في هذه التقنية المتطـورة عن طريق تعاقدات مع الشركات متعدية الجنسية(1).
4.اثر الاستثمار الأجنبي المباشر على ميزان المدفوعات
المقصود بهذا الأثر هو حجم التغيرات التي تحصل في ميزان مدفوعات البلد المضيف نتيجة قيام الشركات متعدية الجنسية بتحريك رؤوس الاموال للاستثمار الأجنبي المباشر، الاثر الاول: الذي يعكسه الاستثمار الأجنبي المباشر في البلدان المضيفة يتمثل في تدفق رؤوس الاموال الأجنبية وزيادة رأس المال المادي، وينعكس ذلك ايجابياً على ميزان حساب راس المال في حالة لجوء الشركات الى الحصول على العملة الوطنية مقابل بيع العملة الأجنبية وذلك لتمويل مدفوعاتها المحلية، في مرحلة تالية يسهم الاستثمار الأجنبي المباشر في توفير النقد الأجنبي اذا ما وجهت الاستثمارات الأجنبية الى القطاعات التي تنتج لاحلال الواردات، حيث تسهم في سد جزء من حاجة السوق المحلية وبالتالي يقلل من حجم الواردات مما يؤدي الى تحسن ميزان المدفوعات(2).
وكذلك يحدث التحسن في ميزان المدفوعات اذا ساهم الاستثمار الأجنبي المباشر في توسيع حجم الصادرات الى دول العالم او من اعادة التصدير الى الدول الأم مع العلم ان الشركات الاجنبية الداخلة الى اسواق التصدير ستحقق النجاح لا محالة لما تملكه هذه الشركات من سمعة راسخة بالجودة وموثوقية التوريد، كما تتوافر لها المعرفة بالاسواق العالمية.
يلاحظ في المراحل الاولى للاستثمار الاجنبي المباشر ارتفاع واردات السلع الرأسمالية التي تحتاجها الشركات الاجنبية ولكن عندما تبدأ هذه الشركات بالانتاج فانها ستقوم بسد حاجة السوق المحلية من السلع النهائية والسلع الاخرى والتي كانت تستورد من قبل الدولة المضيفة، وبالتالي ينخفض حجم الواردات وكذلك ان هذه الشركات ستقوم بتصدير الفائض عن حاجة السوق المحلية الى الخارج مما يؤدي الى زيادة حجم الصادرات في البلد المضيف، اذاً المحصلة النهائية هي زيادة في الصادرات تقابلها انخفاض الواردات وبالتالي تحسن ميزان المدفوعات(1).
هناك نوعين من الآثار للاستثمار الأجنبي المباشر على ميزان المدفوعات الأول: هي آثار مباشرة وتقاس هذه الآثار من خلال المعاملات الدولية المرافقة للشركات متعدية الجنسية والمعكوسة في ميزان راس المال وميزان العمليات الجارية في ميزان المدفوعات، أما الاخر فهو الآثار غير المباشرة والتي تنجم كنتيجة لمشاركة الاستثمار الأجنبي المباشر في تكوين رأس المال المحلي الذي يعزز النمو الاقتصادي من خلال التفاعل المتبادل بين أثر المضاعف والمعجل وبدوره يؤثر على المتغيرات الاقتصادية الكلية الأخرى(2).
ولكن الحكم على الأثر الصافي للاستثمار الأجنبي المباشر على ميزان المدفوعات للبلد المضيف يتطلب أجراء مقارنة بين حجم التحسن الذي طرأ على الميزان التجاري وميزان حساب رأس المال مع حجم الموارد المحولة الى الخارج والمتمثلة بتحويل جزء من راس المال والارباح ودخول العاملين الاجانب فاذا كان حجم التحسن اكبر من حجم الموارد المحولة فأنها حالة ايجابية، وعندئذ يقال ان الاستثمار الأجنبي المباشر له دور أيجابي في تحسن ميزان مدفوعات البلد المضيف(3).
5- مساهمة الاستثمار الأجنبي المباشر في رفع مستوى الاستخدام والاجور
يلعب الاستثمار الأجنبي المباشر دوراً مميزاً في رفع مستوى الاستخدام وزيادة اجور العاملين، اذ أن الشركات الاجنبية تمتاز بالقدرة العالية على توفير فرص عمل جديدة فضلاً عن ارتفاع الأجور التي تقدمها للعاملين لديها، مما يؤدي الى انخفاض البطالة وزيادة القدرة الشرائية للعاملين لدى هذه الشركات وبالتالي المساهمة في خفض مستوى الفقر والذي يعد من أهم أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
تساهم هذه الشركات في خلق عمالة في الدول المضيفة لها بطريقتين: الاولى هي الطريقة المباشرة، خاصة عندما يكون الاستثمار المقدم من تلك الشركات هو استثمار في مشاريع جديدة حيث يتطلب الأمر عاملين لغرض الأنشاء ومن ثم عاملين لغرض التشغيل. أما الاخرى فهي الطريقة غير المباشرة وتتم عن طريق العلاقات الاقتصادية والانتاجية بين الشركات الأجنبية والشركات المحلية أي عندما ترتبط الشركات متعدية الجنسية او الفروع التابعة لها بارتباطات أمامية او خلفية مع الشركات المحلية، حيث ان الارتباطات الخلفية تؤدي الى زيادة الطلب على المنتجات المحلية مما يؤدي الى زيادة الانتاج وبالتالي زيادة التشغيل للعاملين، والارتباطات الامامية تزود الشركات المحلية بالمواد الضرورية التي تحتاجها فيؤدي الى زيادة الانتاج فيها وبالتالي زيادة عدد المشتغلين.
وفي هذا الاطار تشير احدى الدراسات الى ان الاستثمار الأجنبي المباشر استطاع في عام 1997 خلق 26 مليون فرصة عمل مباشرة و41.6 مليون فرصة عمل غير مباشرة في كل الدول النامية(1).
كما تساهم الشركات متعدية الجنسية برفع مستوى انتاجية العاملين لديها وذلك من خلال تدريبهم على احدث التقنيات الانتاجية والادارية والتسويقية، وكذلك تساهم هذه الشركات بأعادة هيكلية العمالة المحلية عن طريق زيادة الطلب على العمالة الماهرة وبأجور مرتفعة جداً وهذا بدوره يحفز العاملين الى تطوير مهاراتهم وزيادة خبراتهم من اجل الفوز بفرص العمل الثمينة وبذلك يزداد عدد العاملين المدربين.
أن الاستثمار الأجنبي المباشر الخالق لفرص العمل الجيدة يعمل على كبح أو تأجيل قرار الهجرة للخارج بالنسبة للعمالة المحلية، بما يوفره من فرص للعمل وبالاجور المغرية، وبذلك يعمل الاستثمار الأجنبي المباشر على ايقاف عملية استنزاف الخبرات الوطنية وهجرة العقول التي تشكو منها البلدان النامية، ولكن فاعلية كبح أو تأجيل قرار الهجرة ترتبط بعدم لجوء الشركات الأجنبية الى اغراء وجذب هذه الكوادر الفنية المدربة خارج أوطانها(1).
الا ان توزيع فرص العمل على الدول النامية المضيفة ليس مثالياً او عادلاً اذ ان هناك شروطاً قد تتوفر في بعض الدول ولا تتوفر في اخرى ومنها.
أ- توفير الايدي العاملة المدربة القادرة على استيعاب التكنولوجيا الحديثة التي تدخل في الإنتاج الصناعي.
ب- توفر القوانين التي تتعلق بالعمل والتي تعطي مرونة للشركات في عمليتي توظيف وتسريح العمال.
ج- توفر بنية تحتية حديثة تسهل خفض تكاليف الانتاج الاخرى وفي مقدمتها المواصلات والاتصالات.
وعليه فان الدول المضيفة التي ترغب في ان تساهم الشركات متعدية الجنسية في خفض نسبة البطالة فيها، عليها توفير تسهيلات للشركات تلك في الانشطة التي تتطلب استيعاب عمالة اكثر من راس المال.
وقد توصلت أحدى الدراسات التي شملت اربع دول من وسط أوربا وهي (المجر وجمهورية التشيك واستونيا وسلوفاكيا) الى ان الاستثمار الأجنبي المباشر قد ادى دوراً مهماً أما في خلق وظائف جديدة، او المحافظة على الوظائف القائمة، وبالتالي ساهم في عدم انخفاض المستوى العام للعمالة خلال الفترة الانتقالية(2).
وعليه يمكن القول أن دور الاستثمار الأجنبي المباشر هو دعم الجهود الوطنية لخلق الوظائف وليس بديلاً عنها.
6- مساهمة الاستثمار الأجنبي المباشر في تطوير البنية الداخلية
أن مرونة الاستثمار الأجنبي المباشر كونه حراً ومشروطاً في آن واحد قد اسهم ومايزال يسهم في تطوير وتحديث البنية الداخلية في البلدان المضيفة، ولبحثه عن اوضاع سياسية وقانونية واقتصادية وادارية شفافة مستقرة فأنه يقدم في تغيرات كبيرة في الهياكل المؤسسية والسياسات العامة للبلدان المضيفة وذلك لجعل بيئتها الاقتصادية اكثر جاذبية للمستثمرين الاجانب الى درجة زيادة التنافس بين هذه البلدان للحصول على الكمية المحدودة من الاستثمار الأجنبي المباشر المعروض في العالم.
وتجدر الاشارة الى أن اجراءات البلدان المضيفة شملت اتباع سياسات التكييف الهيكلي والتثبيت الاقتصادي على وفق قواعد الصندوق والبنك الدوليين الهادفة الى تخفيف قيود الملكية، وتخفيف القواعد المنظمة لأعادة استثمار الارباح وتشجيع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل ورفع الحواجز أمام الشركات متعدية الجنسية ومشاركتها في برامج الخصخصة وكذلك تخفيف مستوى التضخم واستقرار سعر الصرف وغيرها(1).
أن مساهمة الاستثمار الأجنبي المباشر في تطوير البنية الداخلية للبلد المضيف يمكن ان تترجم بالأوجه الاتية(2):
أ- يمكن ان يترك الاستثمار الأجنبي المباشر آثار ايجابية من خلال تنفيذ الالتزامات المعنوية المفروضة على الدول المضيفة، كالتزامها بتصحيح أوضاع الميزانية العامة وميزان المدفوعات ونظم الصرف الأجنبي ونظم التجارة الخارجية ومكافحة التضخم الذي يؤدي بالتالي الى تهيئة مناخ للاستثمار الأجنبي المباشر يساهم في خلق بيئة داخلية وخارجية مستقرة.
ب- أن حرية حركة الاستثمار الأجنبي المباشر يمكنه من اختيار القطاع الاقتصادي الملائم لذلك تسعى الدول المضيفة الى جعل القطاعات الاقتصادية المهمة ملائمة من اجل جذب الاستثمار الأجنبي المباشر اليها.
ج- أن الاستثمار الأجنبي المباشر يبحث أيضاً عن المكان الجغرافي الملائم الذي يرغب التركيز فيه، وقد تترك هذه الميزة اثراً محموداً على الدول المضيفة، سواء اتجه هذا الاستثمار نحو المناطق الاكثر أو الاقل تطوراً.
اما بخصوص الاثار السلبية التي يتركها الاستثمار الأجنبي المباشرعلى الدول المضيفة له فيمكن حصر اهمها كالآتي:
أ - ان اعتماد الاستثمار الأجنبي المباشر كمصدر تمويل للتنمية في البلدان النامية قد يعرضها لاوجه عدم استقرار واختلالات متعددة من االناحية الاقتصادية وذلك لكونه يتميز بسرعة التأثر والتقلب وعدم الاستقرار على نحو نسبي، كما ان المستثمر الاجنبي لايهتم باحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلد المضيف، وانما يتجه نحو المشروعات التي تحقق له اعلى الارباح وباسرع وقت ممكن .
ب- يؤثر الاستثمار الأجنبي المباشر بقوة وبشكل مباشر على المشروعات المحلية التي لم تصل الى مستوى منافسة المشروعات الاجنبية المماثلة، حيث ان المشروعات الاجنبية تنافس المشروعات المحلية على استغلال المواد الاولية واليد العاملة وعلى اسواق تصريف المنتجات.
ج- ان منح المستثمر درجة من السيطرة الادارية عبر مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر يحد من فاعلية السياسات الاقتصادية في البلد المضيف واستقلالية صانعي القرار المحليين في معالجة الازمات الاقتصادية الداخلية.
د- القدرة التكنولوجية العالية والخبرات الادارية المتطورة التي يمتلكها المستثمر الاجنبي قد تتيح له فرصة استغلال البلد المضيف بصورة غير عادلة لاسيما في المجالات المتعلقة بالموارد الطبيعية كالاستثمار بالنفط او الغاز او عند خصخصة المشروعات العامة.
ولتسليط المزيد من الضوء على الدور الذي يمكن ان يلعبه الاستثمار الأجنبي المباشرفي عملية التنمية الاقتصادية في البلدان المضيفة له سنتناول في الفصل القادم تجربة كل من دولتي مصر وماليزيا في هذا المجال.


Admin
Admin

المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 17/01/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://developpement.ibda3.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى